الوصايــا الدُّرِيَّةُ لطلاب الحلقات القرآنية  - من كتاب الشيخ / عبد الهادي بن فاضل العمري

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيُّة وخليله  وبعد،

اعلم ـ بارك الله فيك ـ  أنك مقبل على عمل جليلٍ وأمر عظيمٍ عند ربك سبحانه وتعالى. إنك مقبل على فترة انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة، مقبل على كتاب الله تلاوة وحفظاً وتدبراً. 

 

سبحان الله !

بينما يستعد أهل الذنوب والمعاصي لذنوبهم ومعاصيهم وأهل الدنيا لدنياهم، تستعد أنت لأمر آخرتك، فهنيئاً لك وكتب الله أجرك وشكر سعيك مقدماً، و لا شك أن ذلك من فضل الله عليك ورحمته بك، فافرح بذلك فقد أمرك ربك تبارك وتعالى بالفرح به قال تعالى: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ يونس (58) وتأمل معي قوله سبحانه ﴿ هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ ففيه تنبيه بأن ما يصرفك عن هذا الفضل هو ما يجمعون فما فرغت له نفسك خير لك فاستبشر ببيعك الذي بايعت به ربك  ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ﴾ [التوبة: 111]

 أوصيك ـ بارك الله فيك ـ

 

بإخلاص العمل لله تعالى، فلا رياء ولا سمعة ولا لفت لأنظار الناس ولا ليقال قارئ ولكن النية أن يكون هذا القرآن منهج حياتك وهداية لك ونوراً في ظلمة الزمان أن تُغَذِّي هذه الروح بهذا الروح وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا [الشورى:52].

أن يكون هذا القرآن مقوماً لحياتك  إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: 9].

وأن يكون هذا القرآن حجاباً لك من عذاب القبر ونوراً لك فيه، وأن يكون هذا القرآن حجة لك وشفيعاً لك عند ربك في عرصات يوم القيامة، وأن يكون هذا القرآن قائداً لك إلى أعلى درجات النعيم قال  ((يقال لصاحب القرن، اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها)) رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

واعلم  ـ بارك الله فيك ـ  أن الله عز وجل مطلع عليك يراك ويسمع كلامك يراك وأنت متحلق في حلقة القرآن ويسمع تلاوتك فَيُعْظِم لك أجرك. قال الله تعالى لحبيبه محمد  وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ[يونس: 61]

سبحان الله، ذكر الله تعالى الشأن عامة والعمل عامة وفصل بينهما بتلاوة القرآن  وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [يونس:61]، أي إذ تندفعون وتخوضون فيه , وذكر تلاوة القرآن من بين جميع الشؤون والأعمال يدل على مكانة هذه العبادة وعلو شأنها عند الله عز وجل، وإذا تأملت وتدبرت في مناسبة هذه الآية مع التي بعدها لرأيت أن هناك سراً بديعاً وهو قوله تعالى  أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  [يونس:64]، قال بعض السلف: (إذا لم يكن أهل القرآن هم أولياء الله فمن يكون؟!!!) جعلني الله وإياك ووالدينا وأزواجنا وذرياتنا ومشائخنا منهم بفضله ومَنِّهِ وكرمه.

واعلم  ـ بارك الله فيك ـ  أنك في هذه  الحلقات في تجارة مع الله سبحانه وتعالى، قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر: 29]

مكاسب هذه التجارة قوله تعالى  لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ  فاطر[30].

* المكاسب بارك الله فيك:

  1- يوفيك ربك تعالى أجرك.   2- ويزيدك من فضله.

  3- ويـغـفـر ذنـبـك.      4- ويشكر القليل من عملك.

واعلم  ـ بارك الله فيك ـ  أن لكل عمل صالح تعمله لله سبحانه  وتعالى مردوداً لك في الدنيا والآخرة قال تعالى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124]، فالعمل الصالح له مردود عليك في الدنيا والآخرة , والعمل السيئ له مردود عليك في الدنيا والآخرة إذا لم تتب منه ولم يتغمدك الله برحمته , فإن تبت منه أصبح عملاً صالحاً.

ومن أدلة جزاء العمل الصالح قوله تعالى  مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97].

فالعمل الصالح مع الإيمان يجعلك تعيش حياة طيبة وتنال به الأجر الحسن من الله تعالى، والقرآن يحقق لك الحياة الطيبة ويكسبك الجزاء الحسن من الله تعالى. لذلك قال تعالى بعد هذه الآية السابقة مباشرة  فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ .[النحل:98]

فأوصيك  ـ بارك الله فيك ـ  بعدة وصايا أسأل الله أن ينفعني وإياك بها وأن يجعلها خالصة لوجه الكريم , صواباً على سنة المصطفى  منها:

الوصية الأولى: 

إخلاص العمل لله تعالى، قال تعالى وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5]

وقال : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى))[متفق عليه].

وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: (لا يقبل الله العمل إلا إذا كان خالصاً صواباً)، خالصاً لله تعالى، صواباً على سنة المصطفى .

الوصية الثانية: 

أن تستشعر الأجور المترتبة على أعمالك في هذه  الحلقات وفي حياتك كلها فالقاعدة تقول:(استشعار المردود يسهل المجهود) و (من لم يعرف ثواب الأعمال ثقلت عليه في كل الأحوال).

 فممّ يستشعر : فضل مجالس الذكر وحلق القرآن. استشعر بارك الله فيك أن السكينة تتنزل عليك , وأن الرحمة تغشاك , وأن الملائكة تحفك . وأن ربك سبحانه وتعالى يذكرك من فوق سبع سماوات , وأنه يقال لك في آخر مجلسك قُمْ مغفوراً لك قد بُدِّلَت سيئاتك حسنات. الله أكبر أي فضل هذا ؟!!

واستشعر  ـ بارك الله فيك ـ  أن هؤلاء القوم من زملائك الذين تحفظ معهم القرآن وتتلوه معهم أرجو من الله أن يكونوا هم القوم لا يشقى بهم جليسهم. (فاصبر نفسك معهم ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا).

واستشعر أنك في هذه  الحلقات تغتنم وقتك وعمرك , قال  لرجل وهو يعظه: ((اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك , وصحتك قبل سقمك , وغناك قبل فقرك, وفراغك قبل شغلك , وحياتك قبل موتك))[حديث صحيح على شرط الشيخين].

 ومما يستشعر أيضاً الأجور المترتبة على تلاوة وحفظ القرآن الكريم.

قال حبيبنا محمد : ((من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة , والحسنة بعشر أمثالها ,  لا أقول ( آ لم ) حرف ولكن ( ألف ) حرف و( لام ) حرف و( ميم) حرف )) [رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح].

الوصية الثالثة: 

أن تستعين بالله تعالى على أن يوفقك في هذه  الحلقات وفي حياتك كلها , فإنك تستعين بمن هو على كل شيء قدير، وتستعين بمن يقول للشيء كن فيكون. قال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام لما هَمَّ فرعون بأمر سوء بهم  قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا وأنت تقرأ في كل ركعة من صلاتك  إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وقد أمرك حبيبك محمد  بذلك فقال ((واستعن بالله ولا تعجز)) صحيح مسلم ، ووصى بها معاذاً رضي الله عنه فقال له : ((إني لأحبك يا معاذ فلا تدع أن تقول في كل صلاة : رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) [ سنن النسائي].

فاستعن بالله  وكلما واجهتك مشكلة أو عقبة استعن بالله على حلها وعلى تجاوزها. فإنك ستجد عوناً لك من الله تعالى، وإذا لم يكن لنا من الله عون فلا عون.

الوصية الرابعة: 

أن تتحلى ـ بارك الله فيك ـ بالصبر واعلم أن الظفر مع الصبر, وأن كل من تراهم حولك من الناجحين والمتميزين إنما تفضل الله عليهم ووفقهم للتحلي بالصبر, فَكُنْ ـ بارك الله فيك ـ منهم ولا تركن إلى الدعة والراحة والنوم والكسل والخمول. لا تؤجل ولا تقل : سوف ,  فإنها من أعظم جنود إبليس، لكن اصبر وتجلد َوادْعُ الله كثيراً أن يصبرك وأن يفرغ عليك صبراً، وإنما الصابر من صَـبَّره الله تعالى.

 واعلم أن الله تعالى يحب الصابرين قال تعالى  وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران:146]، وأن الله تعالى مع الصابرين، قال تعالى إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153]. وأن الله تعالى بشر الصابرين بالفوز والنجاح قال تعالى: وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ   [البقرة:155], فقل لي بربك من أحبه الله تعالى وجعله في معيته كيف يكون حاله؟!!

لابد أنه سيفوز وينجح , ولكن أعلم أن الله تعالى قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200]. و أن رسول الله قال: ((ومن يتصبر يصبره الله)) صحيح البخاري . هذا هو الطريق .

الوصية الخامسة: 

احذر الشيطان ومداخله , عليك فإنها كثيرة وحلها بسيط في قوله تعالى فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98].

واعلم أن القرآن أعظم ما تنتفع به والشيطان أشر ما يضرك , فأنت تستعيذ بالله من أشر ما يضرك لتستفيد من أعظم ما ينفعك .

واعلم  ـ بارك الله فيك ـ  أنه وَدَّ الشيطان لو ظفر منك بتأخير ساعة بل دقيقة عن  الحلقات فضلاً عن ظفره بتركك للحلقات بأكملها , وحرب الشيطان لك ولغيرك عند إقبالك على القرآن كبيرة , لأنه يعلم أنك ستأتي إلى أعظم سلاح تتسلح به ضده وضد أعوانه , قال تعالى: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً  [الإسراء:45]. وتأمل معي 

 ـ بارك الله فيك ـ  كيف يتركك الشيطان تقبل على القرآن وهو هداية لك للتي هي أقوم؟!!! هذا  ـ بارك الله فيك ـ  يتنافى مع هدف بقائه مخلداً في هذه الدنيا فإن هدفه هو: كما في قوله تعالى  قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ [ص:83]، فكن بارك الله فيك من المخلصين الذين أخلصهم الله لنفسه , ومنهم أهل القرآن ؛ لأنهم من أهل الله وخاصته.

واعلم أنك بإقبالك على القرآن حفظاً وتدبراً وفهماً تُبَيَّنُ لك الأمور وتُوَضَّحُ لك كيف لا  وقد قال جل وعلا:  وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: 89]

والأمور التي تجعل الشيطان يقوي من حربه وعداوته لك إذا أقبلت على القرآن كثيرة لكن استعذ بالله منه، فإن مولاك الله والشيطان لا مولى له. قال تعالى ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:11].

الوصية السادسة: 

أن تعزم عزماً أكيداً وبنية صادقة على الحضور والانضباط في هذه  الحلقات من أولها إلى آخرها وفي كل ثانية فيها متوكلاً على الله تعالى , قال تعالى ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:159]، وألا يداخلك تردد فتقدم قدماً وتؤخر الأخرى فإن ذلك يتنافى مع معنى الثبات فإنه من أبرز علامات وعناصر النجاح التي ذكرها ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم، قال تعالى  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  [الأنفال:45] فمن أسباب الفلاح في الدنيا والآخرة الثبات وذكر الله تعالى فأسأل الله أن يثبتك.

 

الوصية السابعة: 

أن تُكيِّف ظروفك الخارجية على ظروف  الحلقات     وليس العكس بأن تُكيِّف  الحلقات القرآنية على ظروفك الخارجية، فإن ظروفك الخارجية كثيرة.

لكن اجعل  ـ بارك الله فيك ـ  القرآن أولياً في حياتك , يأتيك القرآن وتأتي البقية ببركة القرآن. قال تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ  [ص:29].

وبالقرآن تستنزل فضل الله عليك وكرمه قال تعالى 

 فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ  [الواقعة:77]، وقال تعالى  اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَم [العلق:3 ]، يعني : استنزل كرم الله عليك بقراءة القرآن. إذا سمعت ذلك واستشعرته , فلا يقف الأمر بارك الله فيك عند حد الاستشعار أو الإدراك , بل انقله واقعاً حقيقياً تعيشه في حياتك.

وأَخْبِرْ كل من حولك ممن تربطك بهم علاقة قوية أن عندك حلقات قرآنية  مدتها كذا وكذا، وأنه لا مجال للتفريط في ثانية واحدة منها.

الوصية الثامنة: 

عليك  ـ بارك الله فيك ـ  بالإصغاء لما يمليه عليك معلمك واعلم أن من أصول آداب طالب العلم أن يطيع معلمه ، قال تعالى  قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً   [الكهف: 69]

 طبعاً كل ذلك في غير معصية الله قال : (لا طاعة لمخلوق في معصية الله عز وجل) صحيح ابن حبان.

واعلم أن سماع توجيهات معلميك الذين سبقوك في هذا المجال سيوفر لك وقتاً قد تصرفه في تجارب فاشلة، وفيه أيضاً توفيراً لوقت معلمك وإجلالاً واحتراماً له.

الوصية التاسعة: 

إذا مَرَّ بك ظرف قهري في أي وقت من أوقات  الحلقات شغلك عن وردك وعن القرآن فاعزم عزماً أكيداً مستعيناً بالله تعالى على تعويض ما فاتك في اليوم التالي أو في الفترة التي تليها.

الوصية العاشرة:

اعلم  ـ بارك الله فيك ـ  أن إخوانك المعلمين والمشرفين والإداريين متواجدون في  الحلقات من أجلك , فلا تتردد بارك الله فيك في استشارتهم أو مناقشتهم في حل بعض المشكلات التي قد تواجهك فهم على قدر المسؤولية بإذن الله تعالى.

الوصية الحادية عشر: 

تحلَّ ـ بارك الله فيك ـ  بآداب طالب العلم , كُنْ متواضعاً في  الحلقات وخارجها مع معلميك وزملائك وإدارتك ومع من حولك , كُنْ بشوشاً , كن لين الجانب.

وإني أهمس في أذنيك بأن تتجرد من حظوظ نفسك , واعلم انك حضرت مجلساً من أعظم مجالس العلم تطلب كتاب الله تعالى، فلا ترى نفسك إلا طالباً وكفى بها مزية فقد قال  ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع...)). أخرجه أبو داود وابن ماجة وابن حبان.

الوصية الثانية عشر:

 لا تلتفت إلى تثبيط المثبطين ولا لإرجاف المرجفين لك. (أَثِّرْ أنت فيمن يريد  تثبيطك وإرجافك عن طاعة الله ولا تتأثر به) ومن تثبيطهم لك قولهم : أنك لم تتمتع بوقتك وعمرك  من وجهة نظرهم القاصرة , وما علم هؤلاء أن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة  , وما علم هؤلاء أن رسول الله  قال فيم يروى عنه :((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله ؟! قال  : حِلَقُ الذكر)) رواه الترمذي وقال حديث حسن.

ومن تثبيطهم لك تذكيرهم لك بما يكثر من أمور الدنيا وملذاتها , فتذكر أنت أنه ((من ترك شيئاً لله أبدله الله خيراً منه)، وقال  في غزوة حنين للأنصار لما و جدوا في أنفسهم بعد تقسيم الغنائم على المهاجرين والطلقاء . قال لهم : ((ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون أنتم برسول الله، قالوا: رضينا رضينا)) [المعجم الكبير]. 

وأنت  ـ بارك الله فيك ـ  ألا ترضى أن يذهب الناس بالدنيا وتذهب أنت بكتاب الله.

اعْلَمُ  ـ بارك الله فيك ـ  أنك ستقول: (رضيت رضيت) ، فلا تلتفت إلى من يثبطك فممن حولك من هو جاهل , ومن هو حاسد . ومن يريد لك الخير لكنه لم يحسن ذلك. فادع الله أن يصرفهم عنك وعن إخوانك.

الوصية الثالثة عشرة: 

الوصية بأن تعد العدة لدخول  الحلقات     ولحفظ كتاب الله، فقد قال الله تعالى  وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً [التوبة:46].

ومن الإعداد للدورة: ( بذل الأسباب ) , ومنها:

1-أن تخصص وقتاً لتحفظ فيه وردك خارج الحلقة في مسجدك أو منزلك ، وعليك أن تراعي لهذا الوقت أموراً مهمة منها :

•أن يكون مدته كافية تتناسب مع وردك المطلوب .

•أن يكون الوقت المخصص للورد في أنفس أوقاتك .

•أن يكون وقتاً له إجلاله واحترامه وذلك لأنك تقرأ فيه أعظم وأجل كتاب ، ويكون ذلك بعدم اختلاس ثانية واحدة منه لأي أمرٍ آخر إلا أن يكون واجباً .

•أن يكون هذا الوقت ثابتاً في يومك وغير عائم لأنك إن لم تثبيته دخل  عليك الشيطان بالتسويف والوعود والأماني الكاذبة ، بأنك سوف تقرأ وتحفظ وردك في وقت كذا وكذا ، حتى ينتهي عليك اليوم وما حفظت وردك وما أنجزته .

واعلم -بارك الله فيك – أن من أعظم أساليب إغواء الشيطان لبني آدم الوعود والأماني الكاذبة ، قال تعالى : ( يعدهم    ) النساء 120. 

فاجعله وقتاً ثابتاً حتى تهيأ نفسك وتسعد فيه بوردك ، ولكن قبل ذلك كله لا تنس أن تدعو الله وتستعين به على وردك حفظاً وفهماً وعملاً وتعليماً وصبراً على ذلك .

2-لا تُدْخِل في نفسك  ـ بارك الله فيك ـ  أنك ستنصرف قبل انتهاء الفترة وجاهد نفسك على ذلك إلا لعذر قهري لا تقدر على دفعه , وبعد الاستئذان من معلمك وإدارتك لأن ذلك من حسن أدبك معهم.

3-لا تنشغل كثيراً بالأحاديث الجانبية , فإن ذلك يضيع عليك وقت حفظك , وإن ابتليت بصاحب لك يلهيك ويضيع لك وقتك فأشعره بذلك بِتَمَعُرِ وجهك أو نظرك للساعة أو صارحه بذلك إن كانت لديك الجرأة على ذلك , وكان هو يتقبل ذلك , فإنه قد خالف نظام الدورة.

الوصية الرابعة عشرة: 

لا تتعلق  ـ بارك الله فيك ـ  بالأسباب المبذولة التي بذلتها، فليس والله نومك المبكر ولا حضورك المبكر ولا غير ذلك من الأسباب هو الذي سيحقق لك نجاحك في  الحلقات وتفوقك , وإنما هي أسباب أنت مطالب ببذلها , لكن لا تتعلق بها أبداً في تحقيق نجاح ما , بل النتائج التي ترجوها عند الله , نجاحك من عند الله ثباتك من عند الله، إخلاصك من عند الله , صبرك من عند الله , توفيقك من عند الله , وتسديدك من عند الله ، قال تعالى  وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ  [النحل: 53].

لكن كن واثقاً بتوفيق الله لك , ونصره لك , وعونه لك , وبكل أمر ترجوه من الله كن واثقاً بأن الله سيعينك عليه لا يداخلك في ذلك شك ولا ريب، فإن رأيت ما ترجو وبذلت فيه السبب وإلا فإن الله قد دفع عنك من السوء بقدر ما ترجو أو أنه سبحانه وتعالى قد ادخره لك ليوم تكون في أمس الحاجة إليه.

الوصية الخامسة عشرة:

وهي رسالتنا إليك أن تكون قريباً من الله تعالى , مقيماً للفرائض , ومسارعاً في النوافل، ما من طاعة ولا نافلة إلا وأنت منتبه لها ومنتبه للأجر المترتب عليها ومسارع فيها وبأعلى درجة.

واعلم  ـ بارك الله فيك ـ  أنه بقدر قربك من الله وبعدك عن معصيته بقدر فتحه عليك وتوفيقه لك وحفظه وتسديده لك , لأنك بذلك تنال محبة الله لك ومعيته الخاصة وإجابة الدعاء منه سبحانه وتعالى، فقد قال رسول الله  قال الله تعالى: ((من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه , وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه , فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به , وبصره الذي يبصر به , ويده التي يبطش بها , ورجله التي يمشي بها , ولئن سألني لأعطينَّه , ولئن استعاذني لأعيذنَّه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته)) أخرجه البخاري.

الوصية السادسة عشر:

اعلم  ـ بارك الله فيك ـ  أن المؤمن لا يشبع من الخير حتى يكون منتهاه الجنة كما أخبر بذلك رسولنا : 

((... لا يشبع المؤمن من الخير حتى يكون منتهاه الجنة)) صحيح ابن حبان.

فداوم على وردك من القرآن كل يوم , واعلم أن اليوم الذي لا تقرأ فيه قرآناً يوم مظلمٌ لا ضياء فيه ولا نور, واجعل عملك كعمل رسولك  , فقد ( كان عمله ديمه ) كما صح عند مسلم عن عائشة رضي الله عنها ، فإذا وُفِقْتَ في هذه  الحلقات فلا تتكاسل بعدها وتنكص على عقبيك , بل داوم على وردك وعلى الطاعات عامة، واجعل شعارك المداومة على العمل الصالح حتى تلقى الله عز وجل .  

وأخيراً فما كان من صواب فمن الله تعالى وحده فله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه , وإن كان من خطأ فمن نفسي والهوى والشيطان فاستغفر الله منه ومن كل الذنوب والخطايا والتقصير , واستغفره من تأخير التوبة منها إن ربي رحيم ودود.

أسأل الله لك التوفيق في هذه  الحلقات المباركة وفي كل شؤون حياتك واسأله تعالى أن يجعلك ووالديك وأهلك وذريتك ومشائخك ومن تحب من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.

تم بحمد الله

أخوك ومحبك في الله

عبدالهادي بن فاضل العمري

المشرف على مقرأة الحفاظ الثانية بجدة